ابن الطلاع القرطبي

29

أقضية رسول الله ( ص )

وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدماء وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال . فقال من يرد عليهم من المسلمين : إنما أصابوا ذلك في شعبان . وقالت يهود : تفاءل بذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد اللّه بن عمرو عمرت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وواقد وقدت الحرب فجعل اللّه ذلك عليهم فلما أنزل اللّه عز وجل : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [ البقرة : الآية 217 ] . يعني أكبر من قتل ابن الحضرمي ، والفتنة كفر باللّه وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله ففرج اللّه عن المسلمين ما كانوا فيه من الإشفاق ، وقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العير والأسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد اللّه والحكم بن كيسان فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لأنفديكموهما حتى يقدما صاحبانا » يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان « فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم » ، فقدم سعد وعتبة ففاداهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم . فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى قتل ببئر معونة ، وأما عثمان فلحق بمكة ومات كافرا . ووقع في الهداية لمكي وغيرها وكان هذا أول قتال وقع بين المسلمين والكفار وأول غنيمة غنمت وأول قتيل قتل من الكفار « 1 » . ووقع أيضا في الأحكام لإسماعيل أنه أول قتيل قتل من المشركين . وذكر مكي : أن ابن وهب روى أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ردّ الغنيمة ، وودى القتيل . وكان ذلك بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا . قال إسماعيل القاضي : وفي إرسال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن جحش بكتاب مختوم وأمره أن لا يقرأه إلا بعد يومين من الفقه إجازة الشهادة على وصية مطبوعة ، وهو قول مالك وكثير من السلف ، وروي عن الحسن أنه لم يجز الشهادة على وصية كتاب مطبوع وقال : لعل فيه جورا . « حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الجاسوس » في البخاري وغيره عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال : جاء عين من المشركين إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو نازل فلما طعم انسل فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « عليّ الرجل اقتلوه » ، فابتدره القوم ، قال : وكان أبي يسبق الفرس فسبقهم إليه فأخذ بخطام راحلته فقتله ، فنفّله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سلبه « 2 » .

--> ( 1 ) رواه ابن جرير الطبري في التاريخ ( 2 / 253 ) ، وابن كثير في البداية والنهاية ( 3 / 249 و 250 ) وقال ابن كثير قال ابن إسحاق وذكره . وانظر ابن هشام ( 1 / 603 و 604 ) وابن سعد ( 2 / 60 و 61 ) وابن كثير ( 2 / 366 و 371 ) وانظر زاد المعاد ( 3 / 168 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 3051 ) ، وأبو داود ( 2653 ) ، وابن ماجة ( 2836 ) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه .